Peer Reviewed Articles

تحقيق التغيير عبر الحوار الثقافي (Making a Difference through Intercultural Dialogue)

تحقيق التغيير عبر الحوار الثقافي

هبة إبراهيم

ترجمة ياسمين أبو طربوش

نشر بتاريخ 30 أيلول 2020

 “إذا لقيت صديقك في الطريق أو في السوق، فدعِ
الروح الكامنة فيك تُحرك شفتيك وتوجّه لسانك.
دع الصوت الهاتف وراء صوتك يتحدث إلى الأذن المُصغية من وراء أذنه؛
فإن روحه تحفظ حقيقة قلبك، كما يحفظ اللسان مذاق النبيذ
يوم يُنسى لونه وتُطوى كأسُه”.

-النبي، جبران خليل جبران‬

نواجه، نحن التربويون، لحظات مصيرية في هذه المهنة تدفعنا للتأمل في الأثر الذي يتركه عملنا على الآخرين والأسباب الكامنة وراء ما نقوم به. أستذكر الآن أكثر اللحظات تميزاً في عام 2016، وبالتحديد يومَ كنت أعمل منسّقة برنامج لبرامج التبادل عبر الإنترنت في إحدى المنظمات المتخصصة بالتعليم الثقافي. كنت آنذاك في زيارة ميدانية لمركز تعليم محلي لطلبة من اللاجئين السوريين المشاركين من الأردن في برنامج تبادل ثقافي افتراضي قصير الأمد حول أزمة اللاجئين السوريين. وعندما حان وقت الحديث مع الطلبة المرشحين للمشاركة، بعد تقديم أهداف البرنامج لهم بشكل موجز، طرحت على الصف هذا السؤال: “حسناً يا شباب، لقد أطلعتكم بشكل موجز عن البرنامج، وأود أن أعرف: لماذا ترغبون في المشاركة فيه؟ وما هي الأهداف التي ترغبون بتحقيقها عبر مشاركتكم في هذه التجربة؟” بادر أحمد، البالغ من العمر 13 عاماً، بأن يكون أول المبادرين بالإجابة. قال، ناظراً إلي: “أريد أن يعرف الناس أني أكثر من مجرد لاجئ”. التزمت الصمت للحظة، ونظرت إلى الوجوه في الغرفة، فرأيت أن زملاء أحمد يومئون برؤوسهم موافقين.

بقيت أفكر فيما قاله أحمد طوال طريق العودة إلى المكتب. كلماته جعلتني أفكر بما قاله  Byram وGribkova وStarkey (2002) عند وصف التواصل بين الأفراد من الخلفيات الثقافية، حيث لا يقتصر الكلام بينهم على تبادل المعلومات فحسب، فهم يرون الآخرين أفراداً ينتمون لمجموعات اجتماعية في مجتمعاتهم. أدركت لحظتها القصر الذي ارتكبناه، أنا وزملائي بتصنيفنا للمشاركين في البرنامج بين لاجئين وغير لاجئين، بينما نجح طالب واحد في تذكيرنا أن المعرفة الثقافية التي تمتد لتشمل معرفة الذات والآخرين وديناميكية المجموعات الاجتماعية وكيفية تواصلها في المجتمع بعد أساسي لتحقيق الكفاءة الثقافية عند الأفراد جميعهم.

وفي هذا الإطار، يتوسّع الحوار بين الثقافات ليشمل فرص الاختيار وتطوير القدرات الإبداعية التي تحول التحديات والصور النمطية إلى أشكال جديدة من التعبير (Kochoska, 2014). في حقيقة الأمر، ألهمني هذا التواصل، الذي امتد لسويعات قليلة مع الشباب السوري، لأن أتفكّر في الأنشطة المنهجية المطوّرة للتبادل والاستثمار في التواصل الذي يساعد الطلبة على إدراك تحدياتهم ومشكلاتهم في ضوء تحديات الآخرين (Byram, 1997)، وأننا جميعاً نعيش معاني التهجير، والفقدان، والصدمة بأشكال مختلفة، ولكنّها لا تحدّد هويتنا أو ما نحن قادرون على تحقيقه. لذا أصبح هدفنا الجديد من أنشطة الفصل الدراسي ومنتديات المناقشة الميسّرة وغير المتزامنة هو إثراء التفكير النقدي في تحدّيات الحياة والفرص الإيجابية التي تجلبها هذه التحديات إلى حياة المشاركين اليومية.

ويعد نشاط “يوم في حياتنا” خير مثال على ذلك، حيث يتم تشجيع المشاركين على تعميق الحوار في المسائل الاجتماعية والثقافية التي يواجهونها وفرص التغيير الإيجابي في مجتمعاتهم المحلية. وتمكّنت الأسئلة المقترحة في هذا النشاط  والحوار الميسر حولها من تشجيع مهارات الربط والتفسير النقدي من خلال تفسير الطلبة وتفكرهم في نصوص متعددة الوسائط لقصصهم. لقد تمكنّوا من خلال الحوار غير المتزامن من الحديث بثقة أكبر عن تحدياتهم والتفكر بشكل نقدي في الصعاب التي يواجهونها والفرص التي توفّرها هذه التحديات. وقد استطاع بعض المشاركين من التفاعل بشكل إبداعي مع قصص زملائهم من خلال تصميم نصوص رقمية جديدة تعكس تجاربهم بالموضوعات المطروحة في النقاش. وما زلت أذكر وجهاً من هذا التفاعل حينما صمّم أحد الطلاب في الولايات المتحدة الأمريكية قصة رسوم متحركة رقمية كردّ على قصة طالب سوري في الأردن تحدّث فيها عن شغفه بالهندسة، تخيّل فيها الأخير مهندساً بارعاً وناجحاً. وأضاف الطالب الأمريكي عبارة تصف قصته: “يبدو أن الأزمة السورية جعلتك قوياً وواثقاً بقدراتك، بإمكاني رؤيتك منذ الآن تحقق حلمك بأن تكون مهندساً ناجحاً”.

في مسيرتي المتواضعة في السلك التربوي، شغلت العديد من الوظائف في مجال تعليم الحوار بين الثقافات، إذ عملت كأستاذة لطلاب الدراسات العليا، ومنسقة لبرامج لغوية وثقافية في برامج الدراسة في الخارج، وميسّرة حوارات ثقافية، ومطوّرة مناهج ومدرّبة تربوية في التعليم الثقافي لمعلمي المدارس. من جهة، شهدت من خلالها جميعا على إخلاص وشغف المعلمين بتطوير الكفاءة الثقافية لدى طلابهم من خلال الحوار بين الثقافات، ومن جهة أخرى، شهدت تردد الكثير ورفض البعض لطرح نقاشات توصف  بالحساسة والحرجة، مثل السياسة، والدين وحقوق الأقليات، حيث يحتج بعض المعلمون بقولهم: “قد تسبب هذه المواضيع الجدلية مشكلات” أو “من الصعب أن يفهموا” أو”لا نركز على هذه المواضيع في الصف”.

أظهرت الأبحاث في مجال التواصل بين الثقافات أنّ الحوار يؤثر بشكل كبير على تعميق فهم المشاركين في الممارسات والمنظورات، ولكن ترافقه التحديات وسوء التواصل الذي قد يتحول إلى فرص تعليم حرجة في التفاعل بين الثقافات (Li, 2012; MacInnis & Portelli, 2002; O’Dowd, 2007). وبناءً على ذلك، يتبلور لنا سؤال هام يجب أن نفكر به باستمرار كتربويين في مجال التعليم الثقافي، ألا وهو: “لماذا نختار الحوار؟” وهنا علينا أن نستذكر أن الحوار فرصة لتقبل الاختلاف بثقة، ما يشجعنا نحن والمتعلمين سواءً على التأمل بشكل نقدي في أسئلة مثل: من نحن؟ وكيف نعبّر عن أنفسنا للآخرين؟ نودّ، نحن المعلمون الذين نهتم بنمو الطلبة الذاتي، أن نساعدهم على أن ينقدوا باحترام، ويكونوا محبين للاطلاع بانفتاح، ومنطقيين ومتعاطفين مع الآخرين. وكما قد يقولها أحمد، ذو الثلاثة عشر عاماً: نحن أكثر مما يراه الآخرون منا أو يظنونه عنّا. وكلما قمنا بالحوار، نتحدى أنفسنا أكثر للتفكر بعمق في من نكون وكيف نرى الآخرين ممن حولنا.

بينما ننشغل في التحضير لتجارب الكفاءة الثقافية للعام الدراسي القادم، علينا أن نعد أنفسنا بنفس القدر لرؤية الفرص وليدة المواقف الصعبة، وهذا أمر يتطلب ممارسة حثيثة. إذا انتهزنا كل محادثة نقوم بها كفرصة للالتزام بمعرفة الآخرين ومعرفة المزيد عن أنفسنا والعالم من حولنا، يمكننا حينها أن نقدم للعالم خدمة كبيرة.

الشكل 1: أحد أنشطة “إيجاد تغيير إيجابي” التي يعمل عليها الطلاب بشكل غير متزامن قبل مؤتمر الفيديو (الاتصال المرئي).

المراجع

Byram, M. (1997). Teaching and assessing intercultural communicative competence. Clevedon, UK: Multilingual Matters.

Byram, M., Gribkova, B. & Starkey, H. (2002). Developing the Intercultural Dimension in Language Teaching: A Practical Introduction for Teachers. Council of Europe: Strasbourg.

Kochoska, J. (2014). Intercultural dialogue as powerful instrument for development of the student’s intercultural competence. Издание, 6(3). DOI: 10.15547/PF.2015.029.

Lee, L. (2012). Engaging study abroad students in intercultural learning through blogging and ethnographic interviews. Foreign Language Annals, 45(1), 7–21.

MacInnis, C. & Portelli, J. P. (2002). Dialogue as research. Journal of Thought, 37(2), 33-44.

O ’Dowd, R. (2007). The Use of Videoconferencing and E-mail as Mediators of Intercultural Student  Ethnography. In Belz, J. A. & Thorne, S. L. (Eds.). Internet-mediated Intercultural Foreign Language Education (pp.86-120). Heinle & Heinle.

هبة إبراهيم طالبة دكتوراة في مجال اللغويات التطبيقية في جامعة يورك بكندا. تعمل منسقة مشاركة لفريق موارد .WCIGC يمكن التواصل معها عبر البريد الإلكتروني على عنوان: hibabasibrahim@gmail.com.


يمكنك قراءة النسخة الإنجليزية لهذا المقال هنا

Read the English version.

Hiba B. Ibrahim
+ posts
Hiba Ibrahim is a PhD student in Applied Linguistics at York University in Canada. She also serves as the WCIGC Resource Team Co-Leader. She can be contacted at hibabasibrahim@gmail.com.

One thought on “تحقيق التغيير عبر الحوار الثقافي (Making a Difference through Intercultural Dialogue)

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.